الشيخ عبد الغني النابلسي

277

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

ولهذا ، أي لأجل اعتبار هذه الدلالة قال الإمام العارف المحقق أبو القاسم بن القسي رضي اللّه عنه في حق الأسماء الإلهية إن كل اسم منها على انفراده ، أي بحسب ظهوره بأثره الخاص في الحس أو العقل للمتجلي به الحق تعالى مسمى ، أي ذلك الاسم بجميع الأسماء الإلهية كلها وذلك باعتبار دلالته على الذات الإلهية الجامعة لجميع الأسماء بحيث إذا قدمته ، أي كل اسم إلهي في الذكر ، أي ذكرك له في افتتاح الكلام نعته ، أي صفته بجميع الأسماء الإلهية بأن ذكرتها بعده أوصافا له ونعوتا ، ويصح منك فعل ذلك ويحسن في الكلام ، بإرادة أن الاسم الأول الذي ابتدأت به أردت به الدلالة على الذات المسماة به ، وحسن منك هذا لما سبق أن كل اسم إلهي دلالة على الذات الإلهية زيادة على دلالته على معناه المخصوص في نفسه ، وعلى حكمه الخاص به ، ثم تورد بقية الأسماء بعدها نعوتا له بإرادة معنى كل اسم في نفسه وصح ذلك ، أي تسمى المذكور لدلالتها ، أي الأسماء الإلهية على عين ، أي ذات واحدة جامعة لجميع الأسماء وإن تكثرت الأسماء عليها فإن كثرتها غير مانعة من وحدة الذات ، لأنها مجرد مراتب لها ونسب لا أعيان موجودة وإن اختلفت أيضا حقائقها أي حقائق تلك الأسماء الكثيرة فكل اسم له حقيقة تميزه عن الاسم الآخر ، فإن ذلك غير مانع أيضا من وحدة الذات المسماة . ثم إن الرحمة الإلهية تنال ، أي ينالها من يعامله اللّه تعالى بها من الناس على طريقين ، أي جهتين طريق الوجوب بإيجاب اللّه تعالى ذلك على نفسه كما قال سبحانه : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [ الأنعام : 54 ] ، وهو قوله سبحانه : فَسَأَكْتُبُها ، أي الرحمة لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ الشرك الجلي والخفي ، فإن الكفر نتيجة الشرك الجلي والمعاصي نتيجة الشرك الخفي وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ [ الأعراف : 156 ] من أموالهم بربع عشرها ومن أنفسهم بفناء أنانيتها ، فإن الرحمة لهم بإيجاب اللّه تعالى ذلك على ذلك وكذلك من طريق الوجوب ما قيدهم ، أي الذي قيد الحق تعالى هؤلاء المتقين المزكين من طريق الوجوب به من هذه الصفات العلمية ، وهو ما دعاهم في أنفسهم إلى التقوى والزكاة مما يعلمونه من العظمة الإلهية والجلال والصفات العلمية كالتقوى والزكاة فإنه أوجب ذلك لهم أيضا على نفسه الرحمة بهم وهو عين ما كتب لهم ، وأوجب من غير سابقة داعية منهم ، وإن كان يلاحقه الداعية وهي العمل وبهذا يفترق عن القسم الثاني . والطريق الآخر الذي تنال به هذه الرحمة الإلهية ، أي ينالها من يعامله اللّه تعالى بها من الناس طريق الامتنان ، أي الفضل والكرم الإلهي الذي لا يقترن به